الاثنين، 16 يونيو 2014

تونس إجماع ضد الثورة




ثمة حدثان مستجدان يلخصان الوضع في تونس. يوم 27 مايو الأخير انعقدت في قصرين، أحد مهود الثورة، محاكمة خالد وعصام عمري، اخوي الشهيد محمد عمري، وذلك بتهمة إضرام النار في مخفر شرطة في أثناء الانتفاضة ضد بنعلي. إنهما، بعبارة أخرى، متهمان بالمشاركة في الثورة. في أثناء الجلسة، قاطع رئيس الشرطة مرافعة محامي الدفاع، شرف الدين القليل،مهددا إياه بالموت (" لن تخرج حيا من المدينة") فيما كان زملاؤه يهاجمون المواطنين المتجمعين خارج المحكمة، ما أدى إلى نقل ثلاثة صحفيين إلى المستشفى.

جرى الحدث الثاني الليلة ذاتها وبالمدينة ذاتها: قامت جماعة مسلحة بمهاجمة سكن لطفي بن جدو، وزير الداخلية، ما أسفر عن قتل ثلاثة من عناصر الشرطة الشباب الذين كانوا يحمونه.

قد يكون من قبيل المغامرة الإقدام على تخمينات، لكن الأكيد هو أن الشرطة انتقلت من وضع المعتدي إلى وضع المعتدى عليه، ووزير الداخلية من جلاد إلى ضحية .

الأسهل هو إكثار التأملات حول الموضوع، و التونسيون أبطال في هذا المضمار. لكن، ما من أحد ينكر أن "حالة الاستنفار ضد الإرهاب" المعلنة مند عشرة أشهر في غضون ذكرى الانتخابات، بعد الاعتداءات على الحرس الوطني و المعارك في جبل الشعانبي (على الحدود مع الجزائر)كانت ذات نتائج سياسية مألوفة جدا. إن الحرب على الإرهاب، في بلد لا يزال غير مستقر و في وضع انتقالي، وحيث لم يحدد بعد أي تاريخ للانتخابات المقبلة، وحيث قانون عقوبات الديكتاتورية –وأجهزتها القمعية- لا تزال سارية المفعول، تتيح تفكيكا صامتا لمكاسب الثورة بحرف أنظار الرأي العام نحو "الخطر الجهادي" و إعادة الهيبة لشرطة ممقوتة ومصدر خوف، كما في زمن بنعلي، من قبل أكثرية السكان.

"حلف مقدس"

أيا تكن حقيقة "المجموعات الإرهابية"، يستحيل تجاهل اضطلاعها بدور مضاد للثورة. وبجميع الأحوال، ليس نجاح هذه الإستراتيجية ممكنا إلا بفضل تواطؤ وسائل الإعلام والأحزاب السياسية، ومنها حتى اليسارية. ولتكون لدى القارئ فكرة عن الأمر، جابت مسيرة صغيرة يوم الجمعة 30 مايو شارع بورقيبة تضامنا مع "الشهداء" ( عناصر الشرطة الأربعة المقتولة) وللمطالبة ب"حلف مقدس ضد الإرهاب". نظم هذه المظاهرة الجبهة الشعبية، أي تحالف اليسار الجذري بقيادة حمة الهمامي.

وبالعكس، لم تنظم الجبهة الشعبية أي احتجاج رسمي على اعتقال عزيز عمامي، المدون الالكتروني اللاسلطوي ورمز الثورة، قبل أربعة أسابيع ( أطلق سراحه مذ ذاك)، ولا ضد تجريم عصام وخالد عمري وغيرهما، ولا ضد الاستعمال السياسي للمادة 52 من قانون 1992 التي يعاقب استهلاك القنب الهندي (الكيف)، ولا ضد الضغط البوليسي والقضائي المتزايد ضد القطاعات الاجتماعية التي قامت بالثورة. ولا أي "حلف مقدس" ضد أجهزة النظام القديم، ولا لصالح "الشهداء" الحقيقيين، أولئك الذين حرروا هذا البلد من ديكتاتورية عتيقة انمتزعوا جملة حريات باتت اليوم مهددة.

يجدر التذكير أن الجبهة الشعبية لا تزال في تحالف مع نداء تونس، حزب اليمين العلماني بقيادة وزير بورقيبة السابق، قايد السبسي، وهو حزب يضم قسما هماما من "فلول" نظام بنعلي. إن هذا التحالف، غير الطبيعي، المنقول من مصر و الذي يسعى إلى تطبيق ترسيمة شبيهة على تطور هذا البلد، استمر بعد سقوط حكومة الإسلامي علي العريض، المستبدلة في فبراير الماضي بحكومة "التكنوقراطي" مهدي جمعة ، رجل شركة طوطال.

يعكس – ويخفي - هذا "الإجماع ضد الإرهاب" إجماعا أكثر مدعاة للقلق: انه إجماع النخب السياسية والاقتصادية التي قررت إنهاء الثورة. لقد باتت حركة النهضة، التي خاب أملها بالتجربة المصرية، والانقلاب في ليبيا ضد الحكومة الجديدة القريبة من الإخوان المسلمين وبضغوط الاتحاد الأوربي، ضمن هذا الإجماع الذي يضع الناشطين و الحركات الاجتماعية في حالة متزايدة الهشاشة.

تقهقر متفق عليه

تظهر الشرطة من جديد من يتحكم فعلا بالبلد. إن إطلاق سراح علي السرياطي، ساعد بنعلي الأيمن والمسؤول عن مذابح الأيام الثورية، وكذا عن سجن ضحاياه، يدل على نبرة تقهقر متفق عليه أو مقبول من طرف كل القوى، حتى الاتحاد العام التونسي للشغل، المحرك الرئيس لما يسمى "الحوار الوطني" الذي وإن أنقذ البلد من انقلاب على الطريقة المصرية، نزع الشرعية عن الجمعية التأسيسية، و صادق على وفاة السيرورة الشعبية الثورية.

يبدو الدستور ذاته، المصادق عليه بعناء، والايجابي موضوعيا، قديما جدا وبلا مدلول قياسا بقوانين "النظام البائد" ورجاله. لقد تلونت تونس من جديد باللون الخبازي، لون الديكتاتورية، مع تواطؤ أو صمت وسائل الإعلام و الأحزاب. ثمة سعي إلى تطبيع النظام المعرض اليوم للمساءلة في أوربا: نظام الحزبين و الحريات الشكلية المنسجمة مع الحريات الاقتصادية، وكذا تجريم كل من يعرقل "النظام الديمقراطي". ويقوم الإرهاب و الشرطة بدور مركزي في هذا النموذج.

لا يحجب الإجماع ضد الإرهاب التراجعات الديمقراطية وحسب، بل يحجب أيضا السياسات الاقتصادية فائقة الليبرالية لحكومة جمعة التي تبيح لنفسها ما لن تقبله قط حركة النهضة. ومن الأمثلة المعبرة أنها قررت "لبرلة" سعر الخبز، المعد لحد الساعة بدقيق مدعوم . حتى بنعلي، الذي خصخص أكثر من 400 مقاولة عمومية، لم يجرؤ على أمر من هذا القبيل. لا شك انه ستكون ثمة حاجة إلى عدد كبير من الشرطة لقمع الانتفاضات القادمة.

المصدر
http://www.vientosur.info/spip.php?article9129
نقله الى الفرنسية لموقع Avanti4.be اتولفو ريرا
وإلى العربية : المناضل-ة

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
Design by Wordpress Theme | Bloggerized by Free Blogger Templates | coupon codes