
أربعة بلدان من شمال افريقا ومصر شملتها التغيرات السياسية لسنة 2011وهي تونس ومصر والمغرب وليبيا،ونعني بالتغيرات تبديل الدساتير الموجودة الىسنة2011 في المغرب وتونس ومصر،وليبيا لم يكن فيها أي دستور في تلك السنة،وإسقاط رؤساء ثلاث دول منها ،هي مصر وتونس وليبيا،ومناسبة هذا المقال هي الرجوع الى سنة 2011 لننتبه الى مايجري الآن في هذه الأقطار،ونحاول أن نفهم ماسيقع في المستقبل،ففي ربيع هذا العام 2014 حدث شئ مهم يمكن اعتباره تغييرا جديدا لايمكن إهماله في البلدان الثلاثة الأخرى المشمولة بالتغييرات بدأ من مصر، وهو أخذ ممثل الجيش المصري عبد الفتاح السيسي لرئاسة دولة مصر،بنفس طريقة الجينيرال عمر البشير قي السودان الشمالي،و الجينيرال محمد عبد ا لعزيز في موريتانيا وأثناء ذلك في مصر ،حدثت زيارة طاقم مغربي يتكون من حوالي مائة شخص لتونس صحبة الملك،وترويج إشاعات قوية في الصحافة المغربية بوفاة أكبر جينيرال مغربي أو على الأقل مرضه الخطير وهو عبد العزيز بناني ،وقبل ذلك بزمن قريب راج في الصحافة توقيف الجينيرال حدو حجار لسبب أولآخر من منصبه الهام، و بدأت تضيق مساحة علاقات المغرب مع موريتانيا ،وفي نفس الربيع الحالي بدأ مسلسل عنيف في ليبيا يلعب فيه ضباط الجيش أدوارا سياسية ستأتي عواقبها مستقبلا.ولذلك لايمكن منهجيا فهم مايجري في بلد واحد من هذه البلدان بمعزل عن الآخرين حتى لورجعنا الى تاريخ قديم مثل زمن دولة الحفصيين،والفاطميين...
المعطى الأول الذي نلاحظه هو أن تغييرات 2011شملت هذه البلدان الأربعة كلها دون الجزائر وموريتانيا، مع اختلاف في أشكال التغيير ، مما يؤكد ترابط التغييرات السياسية وعلاقتها الجدلية ببعضها،إذ لايمكن القبول بتزامن التغييرات سنة 2011 والقول بعدم ترابطها سنة 2014وماسيأتي من السنوات المقبلة،ولا يعقل أن تتم أمور سياسية في بلد من البلدان التي اشتركت في التغيير ،ولاتتم في البلدان الأخرى.
والمعطى الثاني هو أن ماكان سائدا من الدساتير والرؤساء في تلك البلدان لم يعد قابلا للبقاء، وجاءت ساعة تغييره سنة 2011،وصار بديهيا أن التغييرات ممكنة،وحدثت فعلا سوى في الجزائر وموريتانيا التي يحق لها أن تعتبر وضعها استثنائيا،وليس هذا المقال مجال تفسير هذا الاستثناء الذي يصعب التنبؤ بمستقبله.
والمعطى الثالث هو أن التغييرات حصلت ووجدت أمامها ثلاث قوى مهيأة لتقود مرحلة مابعد تغييرات سنة2011 الى أجل غير مسمى وهي ثلاثة:
1- قوة الشعب الذي خرج الى الشوارع ومارس وجوده في عملية فرض التغييرات،وهو خليط يشمل مختلف الفآت والطبقات الاجتماعية،ولم يمكن جمعه وتنظيمه كقوة حزبية ولا نقابية لان الذي يجمعه كان هو التغيير فقط .
2- قوة الإسلاميين الحزبيين(الإخوان المسلمون بمصر ومن معهم من المؤسسات الدينية الإسلامية، وحزب النهضة في تونس وتوابعه الدينية، وحزب العدالة والتنمية في المغرب مع توابعه، وعلماء المسلمين في ليبيا بمختلف تنظيماتهم داخل ليبيا والخارج)وهي تنظيمات انتعشت في ظل الحكام الذين شملهم التغيير لأسباب يطول شرحها وأهم سبب فيها هو كون الرؤساء الذين سقطوا يرأسون فعليا الدولة والدين.
3- قوة الجيش ومختلف القوات المسلحة حسب وضعية ماقبل سنة2011 في كل دولة.
وحيث إن الأمر يتعلق بالتغييرات السياسية كان طبيعيا أن تتنافس وتتصارع القوى السياسية الثلاثة التي ذكرناها بعد تغييرات 2011،وتتم غلبة طرف منها على الآخرين قصد استلام زمام السلطة ولو مؤقتا.
نبدأ بحالة تونس حيث لعبت الطبقة العمالية دور الحكم ARBITRE بين القوى الدينية والعسكرية والشعب الخارجين الى الشوارع بواسطة الاتحاد العام UGTT ولا تتوفر البلدان الثلاثة الأخرى على تنظيم عمالي يستطيع أن يكون بمستوى نقابة التونسيين، وهو دور تاريخي جديد لم يضفه كارل ماركس ولينين الى تحليلهما لدور البروليتاريا حسب علمي،وهو أن تكون محور توازن وحكم يسير تناقضات القوى السياسية والمادية بين طبقات المجتمع،بطرق سلمية،وهذه النقابة العمالية هي سر فسخ مشروع حكم حزب النهضة في تونس،وتحجيم قوة الحزبية الإسلامية في الأقطار الثلاثة،والوصول الى تأليف حكومة مؤقتة ،بالتوافق مع قوة الشعب الخارجين الى الشوارع ،وربما رضيت به حتى قوة العسكريين التونسيين الذين شاركوا في عملية التغيير بقيادة الجينيرال عمارسنة2011، بسبب صمتهم وابتعادهم عن معترك السياسة سوى في محاربة السلفيين الذين دخلوا حلبة الصراع المسلح في تونس بعد سنة2011،وهنا لاننسى الدور السياسي الذي لعبته النقابات العمالية المغربية أثناء تغييرات سنة2011بالمغرب ،وهو دور يناقض تماما دور نقابة عمال تونس،بانحياز النقابات المغربية الى حصار قوة الشعب الخارج الى الشوارع.
وسوف يكون ضمن سياق التطورات الجديدة زيارة الطاقم المخزني المغربي الذي نظم الرحلة الطويلة الى تونس في أواخر شهرماي2014،وفيها عنصر بارز هو أول خروج لعبد اللطيف المنوني الى خارج المغرب بوصفه مستشارا ملكيا ،ومعروف بأنه كان رئيس لجنة تعديل دستور 2011بالمغرب،صحبة المستشارين عالي الهمة، والطيب الفاسي الفهري ، الموجودين في كل الرحلات، واللذين طاردتهما بشدة تغييرات سنة 2011 وكادت تمحوهما من حلبة السياسة المغربية،والمنوني معروف بكونه أعد شهاداته الجامعية حول نقابة التلاميذ والطلبة ،أعني الاتحاد الوطني لطلبة المغرب(دبلوم الدراسات العليا)،والاتحاد المغربي للشغل(الدكتوراه)،وكان في شبابه من تيار المحجوب بن الصديق وعبد الله إبراهيم في القيادة الثلاثية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية،قبل انقسام الحزب،وربما سيفهم دور النقابة العمالية التونسية،أما المائة مسافر الذين ذكر فقط عددهم دون نشر لائحتهم،فلا يمكن معرفة دورهم السياسي في رحلة تونس حاليا سوى في جانب التغطية التجارية والاقتصادية والسياحية التي تطفو على سطح أخبار الرحلة التي من المستحيل القيام بمثلها حاليا في موريتانيا والجزائر وليبيا ومصر..،ولاشك أن جوهر تجربة تونس هو اختفاء دور العسكر في السياسة ،والتمكن من عزل حركة النهضة عن الانفراد بالسلطة دون قطرة دم،وهي عملية أسالت الدماء الكثيرة في مصر للتخلص من حكم وقوة الإخوان المسلمين،ولم يتحقق التخلص من حكمهم في المغرب رغم الدفع بتجربة الإطاحة بهم بواسطة مناورات حزب الاستقلال،والنقابات العمالية، وحزب الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي التي انتهت بفتح دفة الحكم لحزب التجمع الوطني للأحرار، وخلق قوة حزبية منافسة لهم من قدماء السلفيين الذين انضموا الى هياكل وزارة الأوقاف والشؤن الإسلامية... ومستقبلهم غامض بالمقارنة مع تجربة مصر وتونس وليبيا.
وهي رحلة تمت في ظروف مراسيم تنصيب الحاكم العسكري في مصر، وحضر مراسيم التنصيب أضعف رئيس حزب سياسي في التأثير على الخارجين الى الشوارع في المغرب وهو مزوار ليمثل رمزيا الخوف من حكم العسكر،من طرف من يريد هزيمة الحزبية الإسلامية والشعب الخارج الى الشوارع بقوة خياليةبديلة
وبصدد تقرير مصير الحزبيين الاسلاميين بالمغرب،ربما إذا أمكن تصورا لمستقبل تحدث تجربة ثالثة مغربية تحسمها قوة الخارجين الى الشوارع الذين لاتزال ترمز إليهم حركة20فبراير رغم ضعفها الحالي،وهو احتمال وارد، باعتبار أن المغرب لاتزال توجد به تحركات الشوارع التي لاتجد محورا سياسيا في جو ضعف الأحزاب يقودها الى حكم توافقي مثل تونس ،ويعتبر وقودها الديني تحريك جماعة العدل والإحسان نحو تسخين الشارع كما يبدو من خرجاتها المتعلقة بمطالب جزئية ليس فيها أي رائحة لمعارضة جذرية (قضية اغتيال العماري وتشميع منزل العبادي وحدها مثلا)ويمكن أن يحدث تحالف كبير مع قوة الخروج الى الشارع.
والقوة الأولى(الخارجون الى الشوارع)أخطأوا في مصر عندما اعتقدوا أن العسكر سوف يلعب دور الحكم الوسيط الذي لعبته النقابة العمالية في تونس مثلا،
وفي ليبيا كان مصطلح الثوار يشمل المسلحين والمدنيين،وبقي الخارجون الى الشوارع عنصر قوة وسط الطبقات الشعبية،ولعبوا دورا أساسيا في استمرار نوع الحكم الذي سير ليبيا مؤقتا بعد سقوط حكم الكدافي وحتى الآن،ولايمكن وصف هذا النوع من الحكم في ليبيا بقوة عسكرية، ولا قوة إخوان مسلمين،ولا قوة الخارجين الى الشوارع،وذلك لوجود عناصر مهمة قد تتشابه في جزء منها مع المغرب ،مثل وجود المطالب المتعلقة بالهوية والجهات وبصفة عامة تعدد مكونات الشعب (طوارق،التوبو،والأمازيغ)ووجود الخلاف الديني بين السنيين والاباضيين...
ولاشك أن سيطرة الجيش على السلطة في مصر هو وضع ممكن وملموس ومؤقت، يرجع الى عوامل منها: كون الجيش هو أقوى تنظيم في مصر ،يتجاوز كل قوى المجتمع بتوفره على حوالي نصف ميلون عسكري،وورث الجيش التداول على السلطة وتسييرها منذ سقوط الملكية، ويحتاج الى وقت إضافي ليتفكك ويذوب،كما أن حزب الإخوان المسلمين لايمكن أن يحكم بلدا يتوفر على خمسة عشر مليون مسيحي ينخرطون بكثافة في الجيش والشرطة،ويعارضون السلطة الدينية الإسلامية في الشوارع،يضاف إليهم نسبة من اللادينيين،ويمكن مع مرور الزمن أن يتحول الحكم العسكري المصري الى نموذج السودان الشمالي،بعد أن يتقوى وينافس الإخوان المسلمين بدين الدولة بعد أن يرأس السيسي فعليا ديانة مصر،كما هو الحال في المغرب أيضا،وينفرد المغرب بين الدول الأربعة بوجود نزاع ترابي في الصحراء،ومطالب الحكم الذاتي في مناطق أخرى كالريف ،ولا أحد من الدول الثلاثة يتوفر على مثل البوليساريو، الذي يرهن المستقبل السياسي بتسوية هذا النزاع الذي يضمن للعسكريين ضرورة قبول جميع الطبقات الاجتماعية بدورهم الأساسي في ظرفية مواجهة النزعات الانفصالية،التي قد تؤثر عليها فجأة سياسة مصر وليبيا وموريتانيا وتونس، لتضاف الى الجزائر التي لم تشهد تغييرات سنة2011،وأصبحت تشكل استثناءات عن التغييرات قد يلجأ إليها العسكريون المصريون وغيرهم،الذين قد يأخذ ون الجزائر كنموذج على حكم عسكري نجح ضد التغييرسنة2011،وسحق حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية مبكرا، ولا يعير اهتماما للخلاف مع المغرب المخزني الذي يظن أنه سيحل جميع المشاكل بالثروة والتنمية الاقتصادية وملء جيوب الحكام...
ومشاكل ليبيا متزامنة ومرتبطة بمصير دولة مالي التي أصبحت موضوع مشروع انقسام بين مالي القديمة وازاوض...وروسيا تتصيد المناسبات المستقبلية لتدخل الى شمال افريقيا تجربتها في سوريا،ومن ثم تبعا لذلك قوة الإسلام الشيعي الإيراني وحزب الله اللبناني، وأخيرا فان السياسة في شمال افريقيا ومصر تتجدد،وهو وضع ايجابي بالنسبة لتطور الديمقراطية،وتحتاج الى مزيد من الاجتهاد في الفهم والتحليل.



0 التعليقات:
إرسال تعليق