وإحدى آليات فرز الأغلبية هي الانتخابات التي تمكن الناس من أن يختاروا من يمثلهم في تدبير شأنهم العام. وعندما تدار هذه الآلية بدون قواعد وضوابط متفق عليها تصبح بلا معنى، بل وتفرغ الديمقراطية من جوهرها الأساسي ألا وهو حكم الشعب بتفويض من الشعب ومن أجل مصلحة الشعب.
سياق هذا الكلام هو حمى المهرجانات الانتخابية التي تشهدها المنطقة العربية هذه الأيام. ففي مصر، أكبر دولة عربية، تستعد لإجراء انتخابات رئاسية الفائز فيها معروف حتى قبل أن يتوجه الناس إلى صناديق الاقتراع. وفي لبنان، أكثر الدول العربية التي توصف بأنها ديمقراطية، يتم تأجيل إجراء الانتخابات الرئاسية من أسبوع لآخر في انتظار أن يحصل توافق بين فرقاء الطوائف ولا يهم رأي الشعب. وفي سوريا التي تعيش على إيقاع حرب مدمرة قتلت أكثر من 150 ألف سوري، وهجرت وشردت أكثر من خمسة ملايين آخرين، ستجرى انتخابات عبثية لمبايعة الرئيس على قتل وتشريد المزيد من أبناء شعبه.
وفي الجزائر جرت انتخابات رئاسية لمبايعة رئيس عاجز عن الكلام وعن الحركة ليدير البلاد لولاية رابعة على التوالي! وفي العراق جرت انتخابات لإعادة اصطفاف الطوائف وإعادة توزيع الحصص فيما بينها بناء على الهوية وليس على الأصوات في صناديق الاقتراع. أما في ليبيا فتحولت انتخابات رئيس الوزراء إلى مسرحية عبثية بنهايات تراجيدية. ولا يقل الحال سوءا في المملكات والإمارات التي تحولت فيها الانتخابات إلى مجرد موسم كبير لشراء الذمم وبيع الضمائر وللتقرب من السلطان، وفي أحسن الحالات بضاعة للتصدير إلى الخارج لتزيين واجهة القصر وتلميع صورة ساكنه...
القاسم المشترك بين كل هذه المهرجانات الانتخابية هي أنها تجري تحت شعار "الديمقراطية" المفترى عليها، وفي نفس الوقت فهي تفرغ هذه الكلمة السحرية من كل معنى لها. فما معنى أن تجرى انتخابات في دول غير ديمقراطية؟ العرب استوردوا الديمقراطية كواجهة لتأثيث دكاكين أنظمتهم السياسية، واستعملوا آلياتها ومن بينها الانتخابات لتسويق بضاعة فاسدة اسمها "الديمقراطية العربية" ضررها أكبر من نفعها، مكلفة ماديا وغير منتجة على مدى الزمن وعلى أرض الواقع.
علي أنوزلا



0 التعليقات:
إرسال تعليق